في بداية الستينات جاء إلى إقليم دكالة عامل اسمه محمد المكناسي، كان هذا العامل عاملا حقا، شهد له الجميع بالاستقامة والجدية والتواضع والتفاني والقيام بالواجب. كان لا يخاف في الحق لومة لائم . لم يكن يسمع للوصوليين والمتزلفين وماسحي “الكابة”،
لم يكن يسمح لهم بتوجيهه أو التأثير عليه،
كان ينصت إلى نبض الشارع، وكان يحسن الإنصات وقراءة هذا النبض،
أحبه المواطنون وكرهه الانتهازيون…،
رحل المكناسي كما رحل من كان قبله ومن جاء بعده،
رحل وبقي الناس يترحمون عليه ويذكرونه بخير،
ويقولون عنه “كان الله يعمرها دار”،
وقتها كان أبي تلميذا وبما أننه ابن البادية سمع “العروبية” يتحدثون عن المكناسي كما لو كانوا يتحدثون عن صديق أو قريب لهم، وكم كان فرح أهل البادية وسعادتهم كبيرين لما علموا ذات يوم أن المكناسي دشن مدرسة بمدينة الجديدة سماها “المعهد الإسلامي” وأن باستطاعة أبناء البادية الذين يحفظون القرآن الكريم أوما يتيسر منه أن يلتحقوا بهذه المدرسة بغض النظر عن كبر سنهم.
وبتدشين هذه المدرسة توافد عليها مائات من أبناء دكالة منهم من كان متزوجا ومنهم من قارب سنه العشرين، وبما أن هؤلاء الطلبة جاءوا من “العروبية” فقد كانوا يقولون “بويا” عوض “بابا” ولذا أطلق عليهم شباب المدينة اسم “أولاد بويا”.
وتمر الأيام ويتخرج “أولاد بويا” من الكليات حاملين شهادات عليا في اللغة والآداب والحقوق، فيصبحون أساتذة وقضاة ومحامين و…
والمعهد الإسلامي هذا “القاضي عياض” حاليا ما هو إلا إحدى المنجزات التي حققها الرجل، فقد ترك بصماته على هذا الإقليم .
منذ رحيل المكناسي لم يعرف إقليم دكالة عمالا بصموه أو طبعوه أو تركوا آثارا تدل عليهم، وأكاد أجزم أن الدكاليين لم يحفظوا اسم عامل من العمال الذين تعاقبوا على هذا الإقليم، قد يبقي العامل عدة سنوات وإذا سألت أحد المواطنين عن اسمه يجيبك “لا أعرفه” لا يتذكر اسمه إلا المقربون والمنتفعون.
نقول هذا الكلام ونحن إذ نرحب بك و نتمنى لك النجاح والتوفيق في مهمتك الجديدة، ولكننا في نفس الوقت نضع أمامك عدة ملفات لابد من فتحها ودراستها ومعالجتها والتصدي لها بكل قوة وشجاعة.
لقد قمنا باستطلاع للرأي العام واتصلنا بالمواطنين على مختلف الشرائح والمستويات وطرحنا عليهم السؤال التالي: ما هي في نظرك الملفات التي تحظى بأهمية كبرى على صعيد الإقليم والتي تود عرضها على السيد العامل الجديد؟
وقد تلقينا أجوبة تنم عن درجة الوعي لدى المواطنين ومدى اهتمامهم وانشغالهم وإدراكهم للشأن المحلي، وتظهر أن الناس تنتظر من العامل الشيء الكثير بصفته المسؤول الأول عن الإقليم وبصفته ممثلا لصاحب الجلالة.
هناك مقولة يرددها الدكاليون تقول:”من أراد أن يغتني من المسؤولين فليسعى إلى تعيينه بدكالة”. فكم من مسؤول كبر أو صغر منصبه ما أن يمر على تعيينه سنة أو سنتان حتى يتحنك “من الحناك” ويتكرش ويصبح من الملاكين والمضاربين العقاريين وذوي السيارات الفارهة.
وعملية حسابية بسيطة بين راتبه وممتلكاته كفيلة بكشف المستور، ولكن أين نحن من قانون ” من أين لك هذا؟” فالذين كانوا يطالبون به أصبحوا من معارضيه ومحاربيه .
الـــسيـــد الـــعــامــل :
إن المسؤولين من رجال سلطة ورؤساء مصالح ومسؤولين منتخبين…، كل أولئك كانوا قبل مجيئك يتولون مناصب ومسؤوليات في الشأن المحلي، في ظلهم انتشر الفساد برا وبحرا، في ظلهم عم سوء التسيير والتدبير، لقد اكتوى بنار هذا الفساد المواطنون البسطاء، الفاسدون سيبقون فاسدين لأنهم ألفوا الفساد وألفهم، لذا وجب اقتلاعهم، إنهم يحبون السباحة في الماء الآسن يجيدون الأسلوب المعسل، سيعطونك من طرف اللسان حلاوة ويروغون عنك كما يروغ الثعلب، جلهم استحلى الكرسي الذي يجلس عليه، وصار خبيرا في استعمال كل الوسائل للحفاظ عليه، سيخفون عليك الملفات ذات الروائح النتنة لأنها أن هي ظهرت ستجرفهم ومن معهم، سيقدم كل واحد منهم نفسه على أنه المصلح الذي أنجز وحقق و…
نؤكد لكم السيد العامل أن ساكنة الإقليم جد متذمرة وساخطة من تصرفات وسلوكات وممارسات مسؤولي الإقليم، سيقول لكم المسؤولون عن جميع القطاعات إن كل شيء على ما يرام، ويقول لكم عامة الناس أن لا شيء في هذا الإقليم على ما يرام .
هل يستحق هذا الإقليم ذي الخيرات العميمة والأرض الفلاحية الخصبة والمحاط بالبحر ذي الطحالب والأسماك المتنوعة، والمتوفر على ثاني ميناء بالوطن، المنتج للقطين “الكرعة” ذات الشهرة العالمية، هذا الإقليم ذو المآثر والمناظر السياحية، جذابة الألباب وساحرة القلوب، سكانه كرماء مضيافون حتى ولو كانت بهم خصاصة، هل يستحق هذا الإقليم”دكالة والدكاليون” كل هذه المعاناة وهذا التسيير والتدبير السيئين وهذا التهميش، وهذه الحكرة…؟
