نضال مستميت، ثراء وغنى مفرطين، تواضع مفرط، مشاكس عنيد
مهما اختلفت الآراء حول شخصية الحاج أحمد بنبراهيم رئيس جماعة البئر الجديد القروية عام 1959 ورئيس المجلس البلدي للبئر الجديد عام 1992 ، فهو صورة مضيئة لحياة الإنسان الشياظمي الشهم ، ستقف الأجيال القادمة بالبئر الجديد ونواحيها على سرها وحقيقتها ،وسيندم الجيل المعاصر على التنكر لها لأنها نشاط إنساني رحب كان أكثر تفاعلا مع حياة الناس بمختلف أعمارهم وفئاتهم وشرائحهم ، وسيبقى بنبراهيم تحفة إنسانية تخالج النفوس تهدي الخواطر وتثير الشجون ، فالرجل امتداد للحياة الوطنية المناضلة وانعكاس لها وصدى لضوضائها زهاء قرن من الزمن هكذا سيرة الحاج أحمد الخصبة ، محصلة العديد من التجارب والمحن والشدائد والتأثيرات التي واكبت مراحل القحط والسيبة والحماية والاستعمار والمقاومة والحركة الوطنية وجيش التحرير والثورة والاستقلال وما بعد الاستقلال إلى حد الآن ليس كشاهد أو متفرج فقط على هذه الأحداث وإنما كفاعل ومناضل في رحلة نضال مستميت وجهاد متواصل زخرت بأسباب النجاح والمعاناة والقلق والعواصف الصاخبة بقدر ما اكتنفها من الجاه والشهرة والثراء ، ولذلك رأينا في حديثه لا مكان للمزاح والعبث وفي شخصيته خطاب الشدة والصرامة والمحنة بأبعادها الإنسانية المثلي التي تخاطب الضمائر والبصائر ويميزها المواقف القوية الجريئة الصريحة الواضحة إزاء مجتمعه وانفعالاته وأهدافه وتطلعاته وآفاقه مهما تنوعت وتناقضت الأمور والأحداث من حوله ظل الحاج أحمد وفيا مرتبطا بوطنه مبايعا مخلصا لملكه بأوثق الروابط والمشاعر ، يعبر باستماتة وينتقد بقوة ويثور بشراسة مستمدا مادته الخام من الواقع المعيش ينحتها بوسائل الثبات على المبدأ فكانت عينه مشدودة لانتقاد فلتات السلطة المحلية والتواصل اليومي مع قاعدة جمهور عريض من أنصاره في حين كانت قدمه ثابتة في أرض حزب الاستقلال والتشبث بالوطنية الحقة والعرش العلوي المجيد ، نظرا لدرايته الواسعة بالقوانين وبأغوار اللعبة السياسية ، وفي ذلك إشارة إلى رجل فطن ذكي وسياسي شجاع ومزعج ونموذج أعلى في التواضع وتدبير أعماله وشركاته و فلا حته .
ومن طرائف هذا الاستقلال العتيد أيام المقاومة حدث أن ألتمس منه الدرك الفرنسي بالبئر الجديد بعدما قهرهم رجاله البوا سل طلبوا منه الهدنة فاشترك عليهم بنبراهيم شرطا واحد وهو أن ينزلوا من سيارات اد جيب ويركبوا الدراجات الهوائية وهي فكرة ذكية توخى من ورائها بنبراهيم محاصرة الدرك الفرنسي داخل بوتقة البئر الجديد حتى يفسح المجال لرفاقه المقاومين بالبوادي القيام بعمليتهم ضد المستعمر في منأى عن المراقبة . هذه الفكرة بالضبط استغلها خصومه السياسيين في انتخابات 1976 بتأويلها وترويجها في الحملة ضد ، بمعنى أن وصول بنبراهيم إلى رئاسة الجماعة سيؤدي إلى انتشار الفوضى بالبادية كون بنبراهيم سيفرض على عناصر الدرك الملكي بالبئر الجديد استعمال الدراجات الهوائية مما يعيق أداءهم ووصولهم إلى الدواوير البعيدة وبهدف تخويف المواطنين عن أمنهم وممتلكاتهم وبالتالي استمالة أصواتهم وصدهم عن إبراهيم .
إذا ورد اسم بنبراهيم في مدينة أزمور سمعت أنه يملك محلات تجارية عديدة وديارا عتيقة لكن مستغليها لا يؤدون مستحقات اكترائها إلى الحاج أحمد مدة سنين طوال خلت وكذلك الأمر بالبئر الجديد والدار البيضاء والرباط وتارودانت .
بنبراهيم يمكنه أن يحرث أرضا في ملكيته في مكان ما ويزرعها وعند موسم الحصاد ينساها ، ولما يتفقدها يقف على أن الحبوب أينعت من جديد في موسم الحرث اللاحق ، يمكنه مثلا أن يجمع محاصيل فلا حته من زرع القمح أو الذرة والشعير ويختزنها في مستودع له وتغيب عن ذاكرته ولا يتفقدها إلى بعد مرور سنين طوال .
هذا الرجل تجد في حوزته سيارات وجرارات وشاحنات يعود تاريخها إلى أكثر من خمسين سنة لم يستعملها بتاتا ولازالت تحمل ترقيم الدوبل في (ww، بنبراهيم لازال يحتفظ ببذلة الكوستيم والقميص ورباطة العنق التي استقبل بها المغفور له محمد الخامس طيب الله تراه البئر الجديد ، وأيضا البدلة التي استقبل بها الزعيم علال الفاسي في البئر الجديد أيام استقلال المغرب الأولى ،لاتزال البذلتان جديدتان كما لو أنه اشترهما البارحة ،هذا الرجل التحفة إذا حدثك فلا يكذب ولا يخطئ في سرد الوقائع السالفة أبدا ،ويمكنه الجلوس مع الفقير والمحتاج والشاب والكهل أو الشيخ على طوار الرصيف أو حافة الطريق أو على التراب ليتجاذب معك أطراف الحديث الجدي المضبوط الذي لا مزاح ولا نفاق فيه وعندما ينهض من على التراب لا ينفض ثيابه وذلك قمة التواضع ومجاهدة النفس الفاحشة الغنى والثراء .
الحاج أحمد يمكنه أن يشاطرك تناول العدس والخبز والشاي والسمك الملعب ،و التقلية وشواء الغنمي على حد سواء، وليس كبعض أثريائنا في دكالة الذين لو جمعتهم قاطبة في سلة واحدة لا يقدرون على شراء عقار واحد من عقارته المحيطة بالدار البيضاء ولكنك تراهم يمشون على أصابع أقدامهم وأنوفهم مرفوعة إلى السماء ، لعلهم يتعضوا بهذا الرجل المتعفف المخلص في المعاملة والمقاومة والسياسة الذي أنعم عليه الله بهذه الخصال الحميدة ورزقه ثروة حلالا عن كد ساعديه وعرق جبينه ، فهاتوا بنظير له في منطقتنا كلها قد لاتجدونه، مراسا ومعقولا ومالا ونضالا وتواضعا وثباتا، وأخلاقا ، السلام عليكم نعام سيدي يلقيها في وجه من يرد عليه بمثلها أولا يرد عليه قطعا .
عندما كان الحاج أحمد مستشارا بالبلدية وابنه الدكتور إبراهيم رئيسا للمجلس البلدي في 1997 كان يمارس المعارضة في بعض الأحيان وكان الطبيب النفساني الناجح في ميدانه والبرلماني العنيد في الإقليم يجد نفسه محرجا ليس لأنه والده وإنما يستعصي عليه إقناع هرم استقلالي عتيد ومناضل فد ومقاوم شديد المراس ، تجنب العمال والوزراء الاجابة عن أسئلته اتقاء جرأته وقوة طرحه فيلتزم الطبيب السكون وعدم الرد، كيف لا وهذا الطبيب الرئيس البرلماني ذو الثقافة الفرنسية يداوم على زيارة والده إلى منزله كل صباح كي يقبل يده وينصرف إلى حال سبيله بدون زيادة أو نقص في الكلام الخارج عن حدود ما يرضاه ويليق بمكانه الحاج أحمد، ومن تم ترعرع وشب إبراهيم الابن على الأدب الرصين والتواضع الكبير من طرائف هذا الطبيب الذي لا يحدثك أبدا بكلمة واحدة أمازيغية وهو أمازيغ الأصل ولا يحدثك بكلمة واحدة بالفرنسية وهو مفرنس ذو لغة سلسلة وطليقة لكونه درس بفرنسا ، ولا يحب ويعشق إلا النطق بالدارجة التي رضعها من حليب أمه بالشياظمة كونه ولد بالبئر الجديد ودرس به الابتدائي وتعلق في أغصان أشجار تين وليمون وبرتقال البئر الجديد وله ذكريات جمة مع أطفال البئر الجديد آنذاك الذين حدثني أحدهم إن إبراهيم كان ذكيا في صغره ومشاغبا ومغامرا يقودنا دوما إلى المغامرة وما لا تحمده عقباه ومهما رأى والده الحاج أحمد أو لمح سيارته طار من بيننا ولا يعود إلينا إلا حينما يرحل والده عن البئر الجديد .
أتذكر عام 1994 كان الحاج أحمد رئيسا وعرقلت له السلطة باستعمال مستشاري البلدية في رفض الميزانية والحساب الإداري كان يشتري الآلات الكاتبة من جيبه ويؤدي أجور أعوان النظافة والمياومين بالبلدية من عنده كما يقتني لوازم المكتب بجميع المصالح البلدية من جيبه بالإضافة إلى شراء الوقود والزيوت وأدوات التزيين وكانت الاحتفالات بعيد العرش وعيد الشباب تمر عنده أحسن من الجماعات الأخرى ولا يقدر الباشا أن يدلي بأي ملاحظة وإلا أسمعه الحاج أحمد الأخضر واليابس وكما كان يقول للأعضاء المستشارين أثناء الرفض حتى الرفض ويرفع أصبعه ضد الميزانية والحساب الإداري متوجها إلى السلطة المحلية قائلا : سجلوا عندكم احنا كاملين رافضين من أجل الرفض ثم يوجه الكلام للمستشارين المجتمعين في دورة الميزانية أو الحساب الإداري شوف الي بغا المعقول ومصلحة الشعب مرحبا به واللي بغا ياكل مال الشعب يمشي يلعب مع اكرانو ،أنا مشي شفار أو قمار ابن الشمايت لوخرين وتفرقو على ولدي خليوه ينوب على الناس في البرلمان متاكلوش ليه اديالو وتفرسوه راه يحشم وما عندو تجربة .
وفي حكاية أخرى مع با الحاج في اجتماع بمقر العمالة لانتخاب منتخب يمثل الرؤساء بنقابة الجماعات المحلية اتفقنا نحن الشباب على ترشيح صديقي سمير نصير كان يزاول بقسم الجماعات المحلية في الوقت نفسه كان منتخبا بسيدي بنور ،وأثناء الترشيح فجأنا الحاج أحمد برفع أصبعه فترشح ضد سمير وكان يجلس بعيدا عن مقعدي لأثنيه عن ترشيح نفسه وعند فرز الأصوات حصل بنبراهيم على صوته فقط مقابل إجماع الرؤساء على التصويت لفائدة سمير ،وعند انتهاء الاجتماع توجهت إليه علاش اترشحتي أبا الحاج فأجابني هاذ الرؤساء تبارك الله على ولدي مفيهم حتى راجل باش إريسو عليهم موظف بالعمالة تأكدت حينها أن الحاج لا يعلم أن سمير مستشار ببلدية سيدي بنور وسألني احنا شحال احنا من رايس استقلالي في الإقليم أجبته سبعة رؤساء فرد علي بسرعة فين امشاو ولي أداهم بن الشرقي عند السلطة مكاين باس يلاه نتغذاو مكينا اثمارة أ الرايس ،وبعد الغذاء أقنعته أن سمير موظف ومنتخب في آن واحد وهو دكالي منا وقريب من المهمة التي أسندت إليه واش أنت امسالي لهاذا الشي فأجابني هذاك الولد راه زوين ومؤدب ولبيق وعلى بال وشاب ، ولكن مال هذاك بن الشرقي ،فماذا وقع سحبني الحاج أحمد من يدي وعندنا إلى العمالة لماذا ، لكي يهنئ الحاج أحمد سمير ويعتذر له ، غرضي أولدي هذاك بن الشرقي ماشي انت….

