رغم البهرجة الإعلامية التي رافقت إطلاق صفقة تدبير قطاع النظافة بمدينة الجديدة، ورغم محاولات التمويه التي راهنت على إسكات الساكنة، ها هي المدينة اليوم تغرق في الأزبال، وتئن تحت وطأة الروائح الكريهة، وسط صمت مطبق من المسؤولين وتراخٍ مفضوح في المراقبة والتتبع.
في خضم هذا المشهد الكارثي، تتوارى المديرة المسؤولة الأولى عن تدبير هذه الصفقة من طرف الشركة عن الأنظار، وقد غادرت التراب الوطني في عز الأزمة، تاركة فراغاً إدارياً يسوده التخبط والفوضى، دون وجود من يحاسب أو يراقب، وكأن المدينة تُدار بالتسيير عن بُعد أو باللامبالاة.
وفي الوقت الذي تنتظر فيه الساكنة تدخلاً عاجلاً من رئاسة المجلس الجماعي ونوابه، تخرج علينا بعض الوجوه النسائية ، في تحرك غريب لإعادة المدير السابق الذي أثبت فشله الذريع في تدبير الصفقة، وأدخل العمال في دوامة من الفوضى وسوء المعاملة، كما كان من أشد المعادين للعمل النقابي، في ضرب صارخ للدستور وللمقتضيات القانونية التي تحمي الحريات النقابية وتضمن كرامة العاملين.
فأين هي السلطة الإقليمية التي يفترض أن تمارس الرقابة وتلزم الشركة المفوض لها باحترام دفتر التحملات؟ أم أن هناك تعليمات فوقية لحماية هذه الشركة التي تتصرف وكأنها فوق القانون؟
إن ما يحدث اليوم في قطاع النظافة بالجديدة لا يمكن فصله عن التوجيهات الملكية السامية التي ما فتئت تؤكد على ضرورة تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة. ففي خطاب العرش لسنة 2017، قال جلالة الملك محمد السادس: “إننا نلاحظ، بكل أسف، أن من بين المسؤولين من هو غير أهل للثقة، لأنه لا يقوم بواجبه، وهناك من يتهرب من المسؤولية، بل ومن يلجأ للتسويف والتهرب من اتخاذ القرار…” ويضيف جلالته حفظه الله في خطاب آخر: “كفى، واتقوا الله في وطنكم. إما أن تقوموا بمهامكم كاملة، وإما أن تنسحبوا. ليس هناك أي حل وسط.”
فأين نحن اليوم من هذه التوجيهات السامية؟ وأين نحن من مضامين الفصل الأول من الدستور الذي يربط بين المسؤولية والمحاسبة، ويجعل من تخليق المرفق العمومي التزاماً دستورياً لا مجرد شعار؟
إن ما تشهده الجديدة من عبث في تدبير قطاع النظافة، وسط صمت المنتخبين وتواطؤ بعضهم، وتراخي السلطة الإقليمية ، يستوجب فتح تحقيق عاجل وشامل من طرف الجهات العليا المعنية، ومساءلة كل المتورطين في هذا الوضع البيئي والإداري الكارثي الذي يسيء إلى صورة المدينة وساكنتها.
لقد آن الأوان لكسر دائرة الإفلات من العقاب، واسترجاع هيبة المؤسسات، ووضع حد لهذا التسيب الذي يحوّل حياة المواطنين إلى جحيم يومي.
