في دولة الحق والقانون، لا يمكن أن يُترك مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة شعارًا للاستهلاك الخطابي، بينما تُرتكب خروقات جسيمة في واضحة النهار دون مساءلة. ما يثار اليوم بإقليم الجديدة بشأن مزاولة المندوب الإقليمي للصحة لمهام طبيب شغل بعدة شركات بالمنطقة الصناعية بالجرف الأصفر، بالتوازي مع مسؤوليته الإدارية، يضعنا أمام حالة تنافٍ قانوني خطير، يضرب في العمق قواعد الوظيفة العمومية وأخلاقيات
ينص دستور المملكة المغربية في فصله الأول على أن “النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطِنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة”.
كما يؤكد الفصل 36 على تجريم كل أشكال استغلال النفوذ وتضارب المصالح. فكيف يمكن التوفيق بين مسؤولية إدارية عليا في قطاع حيوي كالصحة، وبين نشاط مهني مؤدى عنه في شركات خاصة تخضع، بشكل أو بآخر، لمراقبة المصالح الصحية نفسها؟
إننا أمام شبهة تضارب مصالح واضحة، تضع المسؤول في موقع من يجمع بين سلطة المراقبة والانتفاع، وهو وضع يخل بمبدأ الحياد ويضرب ثقة المواطنين في الإدارة.
ينص النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية صراحة على منع الجمع بين الوظيفة العمومية وأي نشاط مهني خاص يدر دخلاً، إلا في حالات استثنائية محددة وبترخيص صريح، ووفق شروط صارمة لا تنطبق على حالة مزاولة مهنة طبية مستمرة داخل شركات خاصة.
كما أن القوانين المؤطرة لمهنة الطب، وعلى رأسها القانون 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، تؤكد ضرورة احترام قواعد الاستقلالية وتفادي كل وضعية تنافٍ مع مهام عمومية قد تؤثر على النزاهة أو الح
فهل تم الحصول على ترخيص قانوني صريح؟
وهل تم التصريح بالنشاط الخاص وفق القواعد الجاري بها العمل؟
وأين هي أجهزة المراقبة والتفتيش؟
في أكثر من مناسبة، شدد صاحب الجلالة الملك محمد السادس على أن إصلاح المنظومة الصحية خيار استراتيجي غير قابل للتأجيل، خاصة في سياق تعميم الحماية الاجتماعية.
إن الجمع بين مسؤولية تدبير قطاع يعاني خصاصًا مهولًا في الأطر والتجهيزات، وبين الانشغال بمصالح خاصة، يشكل استخفافًا بروح التوجيهات الملكية، ويطرح سؤال الالتزام الأخلاقي قبل القانوني.
إقليم الجديدة يعرف تحديات حقيقية:
• خصاص في الموارد البشرية الطبية والتمريضية
• ضغط متزايد على المستشفى الإقليمي
• تأخر في تفعيل برامج الصحة الوقائية
• شكايات متكررة من المواطنين حول جودة الخدمات
وفي ظل هذه الوضعية، يصبح تفرغ المسؤول الإداري واجبًا أخلاقيًا وقانونيًا، لا خيارًا شخصيًا. فالوظيفة العمومية تكليف لا تشريف، وخدمة الصالح العام لا تقبل التجزئة.
السؤال الذي يطرحه الرأي العام اليوم ليس فقط حول قانونية السلوك، بل حول صمت الجهات الوصية.
هل تم فتح تحقيق إداري؟
هل تحركت المفتشية العامة لوزارة الصحة؟
هل أُبلغ المجلس الأعلى للحسابات في إطار اختصاصاته الرقابية؟
إن السكوت عن مثل هذه الممارسات يشجع على الإفلات من العقاب، ويقوض ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
إن احترام القانون ليس مسألة اختيارية، خاصة لمن يتولى مسؤولية تدبير مرفق حيوي كالصحة.
وإذا ثبتت حالة التنافي، فإن تفعيل المساطر التأديبية والقضائية يصبح ضرورة لحماية المرفق العام، وصونًا لكرامة الأطر الصحية التي تشتغل في ظروف صعبة بإخلاص وتفانٍ.
إن دولة المؤسسات لا تُبنى بالشعارات، بل بتطبيق القانون على الجميع، دون استثناء أو حماية غير مبررة.
وختامًا، فإن الرهان اليوم هو إعادة الاعتبار لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، تماشيًا مع الدستور، والقانون، والتوجيهات الملكية السامية، حمايةً لحق المواطن الجديدي في صحة عمومية نزيهة، فعالة، وخالية من تضارب المصالح
