تعيش مدينة الجديدة وضعية متردية وغير مسبوقة، عنوانها الإهمال، وسوء التدبير، وغياب الرؤية، وتفكك المرافق العمومية، في مشهد يسيء لمدينة تاريخية ومواطنين يرزحون تحت وطأة اختلالات يومية تمس أبسط حقوقهم الدستورية في العيش الكريم.
نظافة منعدمة، طرق مهملة ومتهالكة، إنارة عمومية غائبة، دواوير ملحقة تعيش التهميش والنسيان، مقاطعات إدارية عاجزة عن أداء مهامها، رئيس جماعة غائب عن هموم الساكنة، وفوضى عارمة في تدبير الصفقات العمومية، ناهيك عن ملفات ثقيلة معروضة على أنظار القضاء… كلها مؤشرات تؤكد أن الأمر لم يعد مجرد تعثر عابر، بل أزمة تدبير حقيقية تستدعي تدخلاً فورياً وحازماً لسلطة المراقبة.
المسؤولية الدستورية لعامل الإقليم
إن عامل إقليم الجديدة ليس مجرد متفرج على هذا الانهيار، بل هو ممثل السلطة المركزية، والمكلف دستورياً وقانونياً بالسهر على احترام القانون وضمان حسن سير الجماعات الترابية.
• الفصل 145 من دستور المملكة يحدد بوضوح دور الولاة والعمال في مراقبة أعمال الجماعات الترابية وضمان تطبيق القوانين.
• الفصل 154 يقر مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
• الفصل 156 ينص على خضوع المرافق العمومية لمعايير الجودة والاستمرارية والمساءلة.
فأين نحن من هذه المقتضيات الدستورية في مدينة تُركت لمصيرها
القوانين التنظيمية لا تترك مجالاً للتردد
إن القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات الترابية يمنح لعامل الإقليم صلاحيات واضحة، من بينها:
• تفعيل المراقبة الإدارية على قرارات ومقررات المجلس الجماعي.
• توجيه التنبيهات والإنذارات في حالة الإخلال بالقانون.
• إحالة الملفات المشوبة بالاختلالات على المفتشية العامة للإدارة الترابية.
• اللجوء إلى المادة 64 وما يليها المتعلقة بعزل المنتخبين أو توقيفهم عند ثبوت اختلالات جسيمة.
• إحالة الأفعال التي قد تشكل جرائم على النيابة العامة المختصة.
كما أن قانون الصفقات العمومية يفرض الشفافية، المنافسة، وربط النفقة العمومية بالمحاسبة، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول الصفقات التي أُنجزت أو ما زالت تُنجز دون أثر ملموس على أرض الواقع.
التوجيهات الملكية: لا تساهل مع التقصير
لقد شددت الخطب الملكية السامية، وخاصة تلك المرتبطة بالحكامة الترابية، على:
• ضرورة تخليق الحياة العامة
• القطع مع الريع وسوء التدبير
• ربط المسؤولية بالمحاسبة
• عدم التساهل مع المنتخبين والمسؤولين الذين يسيئون تدبير الشأن العام
كما أن مذكرات ودوريات وزير الداخلية أكدت مراراً أن دور السلطة الترابية لم يعد شكلياً، بل هو دور رقابي صارم، استباقي، ومسؤول.
أسئلة مشروعة تنتظر جواباً واضحاً
أمام هذا الوضع المتأزم، يحق للرأي العام المحلي أن يتساءل:
• هل سيفعل عامل إقليم الجديدة صلاحياته القانونية كاملة دون انتقائية؟
• هل سيتم فتح تحقيقات جدية في اختلالات الصفقات والتدبير؟
• هل ستُفعَّل مساطر المحاسبة والعزل عند الاقتضاء؟
• أم سيستمر الصمت، وتُترك المدينة رهينة العبث السياسي والتدبير الفاشل؟
إن ما تعيشه مدينة الجديدة اختبار حقيقي لهيبة الدولة ولمبدأ سيادة القانون. وعامل الإقليم اليوم أمام مسؤولية تاريخية:
إما أن ينتصر للدستور والقانون والتوجيهات الملكية،
وإما أن يُسجَّل هذا التردي كفشل جماعي في حماية المصلحة العامة.
فالسلطة التي لا تُفعِّل القانون في الزمن المناسب، تتحول ـ عن قصد أو غير قصد ـ إلى شريك في استمرار الفوضى.
والساكنة لم تعد تطلب المستحيل… بل فقط تطبيق القانون
