تشكل قضية تدبير قطاع النظافة بمدينة الجديدة نموذجًا صارخًا لما يمكن تسميته بـ”العجز الإداري المقنن” في مجال حماية المال العام، بالرغم من وجود ترسانة قانونية ودستورية تُلزم الجهات المفوضة والمنتخبة بضوابط صارمة في التسيير، والمراقبة، والمحاسبة.
لقد نص دستور المملكة المغربية في فصله الأول على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو مبدأ جوهري لا يحتمل التأويل، ويُعد بمثابة العمود الفقري للمنظومة الديمقراطية، غير أن ما أثير مؤخرًا من طرف الهيئة الوطنية لحماية المال العام والشفافية بشأن “اختلالات جسيمة” في تنفيذ صفقة النظافة بالجديدة، يكشف بوضوح عن خلل هيكلي في تنزيل هذا المبدأ على أرض الواقع.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن شركة التدبير المفوض “أرما مزكان ” قد أخلّت بعدة التزامات تعاقدية، وهو ما أكدته تقارير رقابية أولية تشير إلى وجود جزاءات مالية تتجاوز 3.6 مليون درهم، لم تُفعّل بالشكل المطلوب، بل الأدهى أن بعض الأطراف داخل المجلس الجماعي حاولت، حسب ذات المعطيات، الالتفاف على هذه الالتزامات عبر “محضر صلح” يُفهم منه التنازل أو التخفيف من الجزاءات، وهنا تطرح إشكالية قانونية بالغة الخطورة: هل يجوز للأجهزة المفوضة التنازل عن حقوق مالية للدولة (أو الجماعة الترابية) دون سند قانوني صريح؟
الجواب القانوني واضح: لا إذ أن المال العام يخضع لقواعد صارمة في الحماية والصرف، ولا يمكن التنازل عنه إلا وفق المساطر القضائية أو التشريعية المحددة حصريًا، وأي محاولة لإبرام صلح خارج هذه القنوات، يُعد تفويتا غير مشروع للمال العام، ويُعرض مرتكبيه للمساءلة وفقًا لمقتضيات القانون الجنائي المغربي، خاصة في فصوله المتعلقة بالتبديد أو التواطؤ في تبديد أموال عمومية.
كما أن تدبير قطاع النظافة يخضع لآليات المراقبة وتتبع تنفيذه يمنح للإدارة الحق، بل والواجب في فرض الجزاءات المالية عند الإخلال بالتزامات الخدمة، وهو ما يُلزم المسؤولين المنتخبين والإداريين بتطبيق القانون دون تهاون أو تواطؤ.
ومن هنا تأتي أهمية تحرك الهيئة الوطنية لحماية المال العام، التي أحالت الملف على قضاة المجلس الجهوي للحسابات، وهو مؤسسة دستورية تتولى، بموجب مدونة المحاكم المالية (القانون 62.99)، مراقبة وتدقيق حسابات الجماعات الترابية، والتحقيق في المخالفات المالية الجسيمة، وتحديد المسؤوليات الإدارية وحتى الجنائية عند الاقتضاء.
إن ما يقع في الجديدة ليس سوى عينة من مظاهر أوسع تعاني منها بعض الجماعات الترابية، حيث تتحول الصفقات العمومية من أدوات لتنمية المدن وتحسين جودة الخدمات، إلى قنوات تُستغل في ممارسات تفتقر للشفافية والنجاعة، وهو ما يفرض يقظة دائمة من طرف هيئات الرقابة، ومزيدًا من الجرأة السياسية في تفعيل التقارير والتوصيات، بدل تركها حبيسة الرفوف.
فإن حماية المال العام ليست شعارًا قانونيًا فقط، بل مسؤولية مجتمعية وأخلاقية ووطنية، تستدعي الحزم في تطبيق النصوص، وتفعيل المساءلة، وتكريس مبدأ لا أحد فوق القانون، انسجامًا مع التوجيهات الملكية السامية التي جعلت من تخليق الحياة العامة مدخلاً رئيسيًا لأي نموذج تنموي فعّال.
